القاضي عبد الجبار الهمذاني

175

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : فكذلك القول في القرآن ، على أن ذلك فصل بعد نقض العلة ؛ لأنك اعتللت بأن ذلك إذا جوز أن يكون ، من فعل من ليس بحكيم ، فكيف يدل على النبوات ، وقد أريناك أن ذلك قائم في الشمس والفلك ، وكذلك فمتى اعتللت بأن القرآن لا يدل من حيث يجوز فيه حدوثه من جهة من لم تثبت حكمته ، ولا نعلم أنه الآن حدث ابتداء ، لزمك مثله فيما ذكرناه في الشمس والفلك . فإن قال : إن الباب في جميع ذلك واحد عندي ، في أنه يجب أن لا يدل على النبوات ، وإنما يدل عليها ما لا يجوز حدوثه إلا منه تعالى . قيل له : قد بينا في باب مفرد ، أن ما يدل جنسه في مقدور العباد ، إذا وقع على وجه لم تجر العادة بمثله ، فحل ما لا يدخل جنسه تحت مقدورهم ، في الدلالة على النبوّات ؛ لأن ما لا يدخل جنسه تحت مقدورهم إنما دل على النبوّة لخروجه في الحدوث عن طريق العادة ؛ ولهذا الوجه لا يدل حدوث الثمار وخلق الولد في الأرحام على النبوّات ، ويدل على ذلك إحياء الموتى ؛ فإذا صح ذلك ، ووجدت هذه الطريقة فيما يقدرون عليه في الجنس ، إذا حدث على وجه مخصوص نحو تغيير الأفلاك في حركاتها ، والشمس والقمر في مطالعهما ، إلى غير ذلك ؛ فيجب أن يكون دالا على النبوّات ؛ على أن هذا القول يوجب أن لا تعتبر العادات إلا فيما يختص تعالى بالقدرة عليه ، لأن على ما سألت عنه ، إذا صح في هذه الأمور أن يحدث من الملائكة ، وجوّز قبل السمع أن يفعلوا ذلك ، ويريدوا الفساد ، فيجب أن يكون ذلك قدحا في العادة ، وكونها جارية على حدّ واحد ، من الحكم ، ولو صح ذلك لما علمنا العادات فيما يختص ، تعالى ، بالقدرة عليه أيضا ، لأنا لا نرجع في كل ذلك إلا إلى طريقة واحدة ؛ فإذا ثبت ما قلناه ، وصح أن انتقاض العادة في أحد الأمرين يدل على النبوّة ، وجب مثله في الآخر .